أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

462

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، أي ليعرفون ، كذا قال ابن عباس وغيره ، وأما قولك : ما أراد اللّه بخلقي ؟ فما أراد بي إلا كرامتي ، قال تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] ، وأما قولك : أين ربك منك ؟ فهو مني حيث أنا منه ، لقوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، فقال : أخبرني كيف هو معك ومعنا في قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ قال هو معنا كيفما كنا معه ، فإن كنا معه بالطاعة كان معنا بالعون والهدى إليه ، وإن كنا معه بالغفلة كان معنا بالمشيئة ، وإن كنا بالمعصية كان معنا بالمهلة ، وإن كنا بالتوبة كان معنا بالقبول ، وإن كنا بالترك كان معنا بالعقاب ، قال : صدقت ، فأخبرني أين هو مني ؟ فقال : أخبرني أين أنت منه ؟ أعلمك أين هو منك ؟ قال : صدقت يا علي فيما قلت ، ولكن أخبرني بمسألة ثانية قال : وما هي ؟ قال : لم ملت عن يمينك حين سألتك ؟ قال : أعز اللّه الفقيه إن المسألة التي سألتني عنها لم يكن عندي فيها جواب لأنني ما سئلت فيها قط ولا سمعتها ، فلما سألتني عنها لم يكن عندي ما أخبرك به فيها ، فسألت الملك الكريم الذي يكتب في اليمين فقلت له : أتجاوبه أنت ؟ فقال لي : لا علم لي ، فقلت : حسبي اللّه وفوضت أمري إلى اللّه ، فقال : وعن شمالك ؟ فقال كذلك ، فقلت : وأمامك ؟ فقال : سألت قلبي ، فقال عن سره عن ربه ، ما أجبتك به ، فقلت : الحمد للّه شاكرا على الهداية ومقرّا له بالعجز عن إدراك النهاية ، فقال له : يا هذا أتكلمك الملائكة ؟ فقال له : ويحك أما ترى رب الملائكة كلمني حين هداني لحجتي وكنت لا أعرفها ، فقال له : يا هذا الآن قد صح عندي حمقك وثبت عندي كفرك وزندقتك فما تريد أن أفعل بك وبأي قتلة تريد أن أقتلك ؟ فقال له : وما الذي تريد أن تفعل بي وأنت قاضي القضاة ؟ إن كنت تقضي ولا يقضى عليك فاقض بما شئت ، وأي فعل لك ؟ فقال له : أنا القاضي المقتضي بما يقضي به أو نقضي بما يقضي به ؟ فقال له : أو فهمت خطابا عن القاضي الذي يقضي ولا يقضى عليه ؟ قال له : وما هو ؟ قال قوله تعالى : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ يس : 54 ] ، فقال له : وما تريد أنت ؟ اقض بما شئت الآن ، طبت وطابت نفسي على لقاء ربي ، فعند ذلك رد القاضي رأسه إلى المتوكل وقال له : يا أمير المؤمنين اترك هؤلاء ، فإن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض مسلم . هؤلاء